رياضة كرة الدم والأنين، وسبات ماجدولين !
ليس على المريض حرج، كلام تداوله السابقون وفيه دلالة على أن الاعتراف بالحق فضيلة، ومثل الحال ينطبق الى حد بعيد عما يجري في كواليس الرياضة التونسية من تجاذبات وفوضى وارتجال يحيل على نفق مظلم دخلناه وبات من العسير الخروج منه وتلافي تبعاته الوخيمة ازاء ضعف فادح يتسم به تعامل الأطراف المسؤولة على قطاع حيوي وحساس للغاية يبدو أن حكومة الشاهد - وكسابقاتها- لم تجد التعاطي معه..
في موفى شهر أوت من العام الفارط، وعلى هامش كشف تشكيلة أعضاء حكومته، نصب يوسف الشاهد وزيرة لشؤون الشباب والرياضة باتت بمقتضاها ماجدولين الشارني أول امرأة تحظى بهذا الشرف تاريخيا في تونس، قرار تضاربت الآراء في تقييمه بين مرحب ورافض، وكنا انذاك في أخبار الجمهورية دعونا الى منح الوزيرة ما يكفي من الوقت للحكم لها أو عليها خاصة أن هنالك تحركات مريبة جرت في ذلك الوقت (في مبنى مونبليزير وتحديدا مكتب راشد الغنوشي) منذ رواج اسمها لسحب البساط من تحت قدميها..
بحساب الزمن، مرت تسعة أشهر بالتمام والكمال على وصول الوزيرة الى كرسي بناية المنزه، وهو حيز كاف وزيادة لاجراء تقييم يثبت بكل تجرد أن الشارني قد تصلح لأي وظيفة سياسية أخرى عدا تقلدها منصب وزيرة الرياضة..
ماجدولين والتي اختصت أكاديميا في مجال الهندسة لم تثبت أي شغف ولا زاد معرفي رياضيا ثم ان خرجاتها كانت متذبذبة اعلاميا، وهنا يتحمل فريقها الاتصالي قسطا لا بأس به في المسؤولية في ظل غياب الاحاطة والمد الكافي بالمعلومات لحسن صاغة خطاب يبني ويوحد ولا يزيد في الهدم والتفرقة على شاكلة ما قالته عن أحداث رادس والارهاب الرياضي الذي أصرت مجددا على وصفه بنفس الشاكلة ورافضة الاعتذار عنه..
صحيح أن شغب الدربي فاق كل الحدود، غير أن التجرد والوقوف عند نفس المسافة من قبل الوزيرة بين الشقين المتنازعين ( جمهور الافريقي والأمنيين) يفرض على ماجدولين أن تعترف باجحاف أمني في انتهاج العنف، وحتى التمهيد له ابتداء من تسريب ل"ماكات" دخلة أنصار الافريقي وما يعنيه ذلك لدى أفراد المجموعات من استباحة وتعد على خصوصيات ذاتية، وبما أن كل المؤشرات كانت توحي لاحتقان كبير في مواجهة الأحد، فانه كان حريا بالوزيرة أن تفرض ضغطا من منطلق نفوذها (بالمعنى الايجابي للكلمة) كي تتحمل الجهات الأمنية مسؤوليتها مسبقا باتخاذ ما يلزم من اجراءات لتفادي صدام كان متوقعا حتى لدى أبسط المواطنين فما بالك بوزارة يتم منحها مقاليد تخص قطاعا بمثل حيوية وأهمية الشباب والرياضىة...
هذه الوزيرة، وكما أشرنا سابقا فانها بادرت بحملة تغييرات واقالات مست الشريان الأساسي لدواوين وزارتها، ويتفق أهل الدار على أنها اختصت في اقصاء الكفاءات دون مراعاة لحجم الخلل الذي تسببت فيه، ومع كل يوم يمر فان الهنات باتت تتعاظم في الأداء وتعددت الشكاوي من قبل الأبطال والرياضيين بالتهميش واللامبالاة، فيما اختصت المسؤولة الأولى في التصريحات والتحركات التي لا تسمن ولا تغني من جوع..
مع كل ما يحصل فان التقييم استثنى ماجدولين من الأخطاء، حيث انه وبخلاف التحركات الغاضبة والمحتجة من قبل بعض الوجوه الرياضية أو من جماهير الفرق، فانه لم يبد الى حد اللحظة أي مؤشر للتغيير في التقييم الحكومي لأدائها..ودون شك فان التغافل عن ذلك سيجعل الأنين في تزايد مستمر في جسد الرياضة التونسية ويؤكد في جانب ثان صحة جانب من التهامس القائل بحصانة كبيرة تمتلكها هذه الوزيرة..
غير بعيد عن ماجدولين، فان العودة الى الدربي وما خلفه من تداعيات وخيمة من عنف وتراشق بالاتهامات وتصعيد جماهيري غير مسبوق، فان الوقائع تتطلب ضرورة ارساء تغيير جوهري في طريقة التعامل الأمني مع جماهير الكرة في تونس، ودون انحياز لأي من الطرفين، فانه مع الاقرار والاعتراف بوجود أقلية مشاغبة في ملاعبنا باختلاف الألوان التي تناصرها، فان تكرر سيناريوهات التعنيف من قبل عناصر أمنية لا يحيل بتاتا الى أدنى تحسن مع كل ما يتردد عن "أمن جمهوري" والى غير ذلك من الشعارات..
مهزلة رادس تجدد قناعتنا للمرة الألف بأن "كرة العار" أصبح شعارا تونسيا بامتياز، يتحمل كل الأطراف مسؤوليته بين اعلام يشحن..وأمن بمثابة الخصم والحكم حيث يستفز ثم يعاقب وكذلك عناصر مشاغبة من الواجب تتبعها وعدم خصها باستثناءات الافراج والعاطفة التي تضر ولا تنفع، كما أن وزير الداخلية (ان واصل مهامه أو من سيخلفه) مطالب أيضا بسن ثورة حقيقية ازاء بعض السلوكات الشاذة والمسترابة والتي يجزم الآلاف بصحتها عن حياد بعض العناصر الأمنية عن مهامها في الحماية وفرض النظام الى سمسرة بالتذاكر وانغماس في السوق السوداء..فذلك سيمثل نصف الحل ويؤشر الى اقلاع حقيقي (كما تم وصف هذه السنة) من عالم الفوضى والعنف الى كرة جميلة تبقى أولا وأخيرا متعة وطربا للذواقين وليس للوانداليين والمروجين لنظرية العبث والفوضى الخلاقة..
طارق العصادي